ردع “الربيع العربي” بخسائر الديون الأميركية

تعصف بالعالم أزمة اقتصادية لا مثيل لها منذ أواسط ثلاثينيات القرن الماضي. ونحن العرب نبتسم.
معظم المصارف العالمية تعرف تراجعاً يومياً لقيمة موجوداتها النقدية وتهبط قيمة أسهمها بمعدل يومي قدره ٥ في المئة، ومع ذلك يبتسم العرب.
كانت سندات الخزينة الاميركية تعتبر مرجعا مسلّماً به، ومعياراً لكلفة المال واداة “ضمانة” في المعاملات وملجأ للمستثمرين في الفترات المضطربة. هذا الزمن قد ولى، والدول العربية تبتسم.
العالم يقف على شفير هاوية الإفلاس وهو يراقب تداعيات أزمة الدين الأميركي، والإفلاسات في منطقة اليورو، من دون أن ينطق المسؤولون في الدول العربية، وكأن الأمر لا يعنيهم، وكأن أمر مئات المليارات التي تذوب في الديون الأميركية لا تستحق إلا الصمت، فيما هي تتبخر.
لا يستحق تصريحاً واحداً على الأقل؟ لماذا الصمت المريب حول استثمارات بمليارات الدولارات، من دون مبالغة، معرضة للتبخر؟
في دولة الإمارات العربية تقلل المصادر المالية من إمكانيات الخسائر، مدعية «أن المصرف المركزي لا يمتلك أي سندات خزينة ولا أي أدوات مالية أميركية»، من يصدق هذا؟
في المملكة العربية السعودية يصف خبراء الاقتصاد السعودي بأنه متعدد الأسواق، ولا يعتمد على الاقتصاد الأميركي وإن كان يرتبط بعملته، من يصدق هذا؟
في الكويت على الأقل توجد «صراحة علمية»، وإن كانت تنم عن عدم قدرة في استشفاف أفضل الاستثمارات، فقبل سنة اعترف وزير المال بأن صندوق الاستثمارات خفض نسبة الاستثمار في الأسهم وزاد نسبة الاستثمار في السندات، أي أنه كما يقال في شوارع بيروت «انتقل من تحت الدلف إلى تحت المزراب»، منتقلاً من سوق الأسهم المرتبط بنمو الاقتصاديات إلى سوق السندات الذي يرتبط بشكل مباشر بلبنة الدين الأميركي الذي بلغ ١٤ ألف مليار دولار. تقارير الأمم المتحدة تقول إن خسائر الصندوق السيادي الكويتي كان الأكبر في الأزمة المالية الماضية عام ٢٠٠٨ ، وأنه يجر خسائر تتكدس في الصفحات الحمراء لدفاتره، فالمسؤولون يقولون «لن نتأثر بتراجع قيمة سندات الخزينة الأميركية وقيمة الدولار». من يصدق هذا؟
في المغرب العربي تملك الجزائر احتياطاً نقدياً لا بأس به (نحو ١٧٠ مليار)، توظف جزءاً منه (نحو  ٥٥ مليار دولار) في سندات الدول، وفي مقدمتها السندات الأميركية. ورغم تراجع قيمة فوائد السندات الأميركية ومخاطر السداد، فإن السلطات المالية الجزائرية تقول إن خسائرها «لا تتعدى الـ ٣ في المئة». من يصدق هذا؟
قد يكون قد حصل تغيير في معادلات الاستثمار لدى الدول الغنية، حيث كانت  كل زيادة في ايرادات الدول النفطية تعني تحويلاً لهذا الفائض إلى الأسواق الأوروبية والأميركية، وفي مقدمتها سندات الخزينة الأميركية واسواق العقارات البريطانية. اليوم يصب جانب كبير من هذا الدخل الفائض في الاسواق المحلية، المملكة العربية السعودية وضعت خططاً لانفاق ما يزيد بنسبة ٤٠ في المئة في الداخل. ولكن لم نسمع بأي عملية بيع ضخمة للتخلص من السندات الأميركية. الاستثمارات التي «ألقيت» في الأسواق الداخلية في الدول النفطية، وفي الجزائر، كانت فقط لاستيعاب «الربيع العربي» ولإبعاد شبح الثورات عن ساحاتها. أنظر إلى المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر والكويت والجزائر، هذه الدول الغنية قد اشترت «هدنة» بضخ فائض المدخول النفطي في البلاد. ولكن هل تم ذلك حسب خطط موضوعة ومدروسة أم أنها كانت نتيجة وصول موجة الخوف؟
سبب الصمت وعدم الكلام عن الخسائر والتوسع بشرح الخطط الآيلة للحد منها ولدفع الاستثمارات وتحويلها نحو الداخل بسيط، فالعرب (الأغنياء منهم بالطبع) منشغلون بتحويل استثماراتهم وفائض مداخيلهم النفطية لردع ما بات يسمى الربيع العربي… وهذا سبب ابتسام المسؤولين العرب أمام خسائر الديون الأميركية، التي أجبرتهم على ردع الربيع العربي!
ولكن ماذا سوف تفعل هذه الحكومات في حال طبقت شعوبها مبدأ «خذ وطالب»؟ فالجميع يعرف أن «إلقاء» الاستثمارات من دون خطط نهضوية كمن يلقي في بئر لا قاع لها.

أخباربووم

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.