من وحي شاليط: أسئلة في الهوية الفرنسية

تجذبنا الفرحة التي أطلقتها صفقة شاليط للنظر نحو فلسطين. القشعريرة تركب أبداننا ونحن نرى فرحة أهالي الأسرى والجموع الغفيرة توزع الحلوى، تبكي وتضحك مصطفة لتحية العائدين، وهي ترفع شعارات النصر. بالطبع لا انتقاص لما حققته حماس من نصر على إسرائيل في معركة «الجندي شاليط» خمس سنوات عجز خلالها الجيش، الذي يعتبر نفسه «أفضل جيوش العالم»، عن كشف مكان احتجاز الجندي الذي خرج وهو «بصحة جيدة»، حسب ما وصفه الطبيب الذي عاينه في مصر قبل «استلامه».
إن دلت هذه الملاحظة على شيء فهو أن شاليط كان محتجزاً في مكان «آمن وفي ظروف صحية معقولة»، وهو ما يجب أن يطرح مبدأ «المعاملة بالمثل»‪:‬ إذ أن الإعلام العربي، بغياب أي إشارة في الإعلام الغربي، امتلأ في الأسابيع الأخيرة بالأخبار عن «إضراب الأسرى داخل السجون الإسرائيلية» ولم يتوقف هذا الحراك إلا بعد اتفاق مع مصلحة السجون الإسرائيلية على إنهاء ملف «العزل الانفرادي» في سياق بدء تنفيذ صفقة تبادل الأسرى. فهل يترفع الإسرائيليون ويلتفتون لمقارنة فوارق المعاملة و«التصنيف الحضاري» لمقياسها؟
ما زلنا ننظر صوب فلسطين ونتابع استقبال الأسرى في الأرض المحتلة والسجين في أرض الاحتلال، ولكن لننظر قليلاً نحو فرنسا «وطن شاليط الثاني أو الأول» حسب… فالمسألة مسألة وجهة نظر.
فرنسا اهتمت كثيراً بـ«ملف شاليط». الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي جعل منه حالة خاصة حملها حمل وزرها أينما حلّ في العالم العربي: في دمشق، خلال زيارته الشهيرة إلى عاصمة الأمويين وكلما التقى أمير قطر. برنار كوشنير أحد أكثر وزراء فرنسا إلتصاقاً بـ«حب إسرائيل»، ولو على حساب مصالح فرنسا، جعل من منزل شاليط في تل أبيب «محطة دائمة» عند كل زيارة للدولة العبرية، وعبأ كل طاقات الدبلوماسية الفرنسية من أجل شاليط. أما صلاح حاموري فإن رسالة والدته ما زالت عالقة في حنجرة أكثر من دبلوماسي في الكي دورسيه، عاجزة عن تفسير ما لا يمكن تفسيره، نظراً للمعاملة الفوقية التي عامل بها «الفرنش دكتور» والدة الحاموري رافضاً استقبالها والتحدث إليها… كأن حاموري ليس فرنسياً مثل شاليط.
في فم أكثر من مراقب ماء وهل ينطق من في فيه ماء؟ ضيق يحيط بهذه المسألة التي ننظر لها بمناسبة «صفقة شاليط».
السبب ليس كمايتراءى للكثيرين من معادي السامية أو القابعين في آبار البرانويا. السبب هو سياسي ١٠٠ في الـ ١٠٠ ويتعلق بأهداف سياسية. ذلك أن شاليط يحل اللغز الذي حملته جملة من خطاب الزعيم الراحل جمال عبد الناصر عقب حرب ١٩٦٧. فهو قال:«انتظرناهم من الشرق فجاءوا من الغرب». ضحك كثيرون من هذا التعبير لأنهم بحثوا تحت غطاء جغرافي تفسيراً لهذه المقولة! ففشلوا.
ما أراد عبد الناصر رحمه الله الإشارة إليه عبر هذه المقولة هو فريق الطيارين الغربيين الذين قادوا طائرات هجوم ٥ حزيران الشهير، والذين استدعتهم إسرائيل «على الهوية الدينية». غولدا مائير أيضاً استدعت طيارين حربيين أميركيين في خضم «حرب الغفران» وصادف أنهم من الطائفة اليهودية حاملي جنسية مزدوجة.
وشاليط مثله مثل برنار هنري ليفي فيلسوف الثورة الليبية، ومثل أرنو كلارسفيلد، الذي «أصر على القيام بخدمته العسكرية» في إسرائيل «وفي لبنان بالتحديد»، والذي عينه ساركوزي «رئيساً لمجلس الهجرة». يناقش هؤلاء يومياً مع فرنسيين من أصول عربية «معاني الانتماء لفرنسا» ولكن هؤلاء«المشاهير» يحملون جنسيات مزدوجة تسمح لهم بتسلق أبراج الدبابات والخدمة العسكرية في إسرائيل مطمئنين إلى أن «أجهزة الدولة الفرنسية» سوف تتحرك في حال حصول أي مكروه لهم، علماً بأن فرنسا ألغت الخدمة العسكرية منذ عام ١٩٩٥.
بالمقابل فإن الهلوسة الساركوزية حول الهوية الوطنية التي استهدفت بشكل خاص الفرنسيين من أصول عربية فتحت أبواب التساؤل حول «ولائهم» ولم تتوقف أمام العموميات بل إن عدداً من أقطاب الساركوزية واليمين المتطرف رأوا في ازدواجية جنسية لاعبي كرة القدم خطراً على فرنسا.
فلننظر الآن إلى ملاعب كرة القدم لنرى ما إذا كانت «ضربةجزاء» آتية من حامل جنسية مزدوجة توازي الصعود على برج دبابة في أرض محتلة.

أخباربووم

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.