حسن ناكاتا سلفي ياباني متطرف

قبل أربع سنوات نظر اليابانيون إلى «الربيع العربي» بأمل ولكن بحذر، وبالواقع من دون اهتمام زائد. حتى فترة قصيرة يمكن قياسها بأسابيع، ورغم العولمة واختصار المسافات بين القارات، ظل العالم العربي والإسلامي بعيداً عن الاهتمام اللاشعوري للمواطنين اليابانيين.
ولكن عندما دفعت أقنية التلفزيونات بفيديو الرهينتين اليابانيين إلى منازلهم اكتشف اليابانيون انهم ورغماً عنهم ورغم المسافات وتقوقعهم في الأخبيل فهم عرضة لعولمة الإرهاب.
عرف اليابانيون سابقاً عمليتي أخذ رهائن لمواطنيهم تمتا في منطقة الشرق الأوسط أيضاً الأولى في عراق صدام حسين عام ١٩٩٠ وثانية في عام ٢٠٠٤ بعد سقوط نظام صدام في ظل الاحتلال الأميركي لهذا البلد. العملية الأولى كانت إرهاب دولة إذ استعمل صدام مجموعة من اليابانيين (وغيرهم من المواطنين الغربيين) كدروع بشرية. أما الثانية فجرت على أيدي مجموعات ادعت مقاومة الاحتلال. وفي الحالتين انتهت الأمور على سلام فتم الإفراج عن رهائن صدام مقابل صورة تذكارية، بينما تم الإفراج عن الرهينتين اليابانيين مقابل دفع فدية ما زالت قيمتها سرية.
هذه المرة اقتحمت الصور الحية للرهينتين في اللباس البرتقالي ومقاطع الفيديو الرهيبة مهاجع اليابان وأنزلت سكان الأخبيل من أرجوحة راحة مجتمعات ما بعد الحداثة لترميهم في أتون عولمة الإرهاب، ولتخرجهم من هدهدة الانعزالية إلى ضوضاء القلق والخوف.
قبل فاجعة الرهينتين بأسابيع قليلة اهتم اليابانيون بـ«مغامرة» استاذ الإسلاميات «ناكاتا كو» الذي كشفت الوسائل الإعلامية أنه «ترك كرسي التعليم والتحق بـ…داعش».  قبل منتصف أوكتوبر/تشرين الأول كانت أحداث الشرق الأوسطي غائبة عن الأخبيل.  تلفزيونات العالم كانت مشغولة  بـ«الدولة الإسلامية» والحرب التي أطلقها باراك حسين أوباما على هذا التنظيم الذي احتل مساحات شاسعة من المنطقة العربية، والذي كانت تتتابع إعلانات مبايعته من المغرب العربي إلى شرقه مروراً بأفريقيا ووصولاً إلى آسيا، مع ذلك ظل الأرخبيل الياباني يتجاهل هذه «الظاهرة».
ثم جاء إعلان يفيد أن أحد كبار المستشرقين «ناكاتا كو» معتنق الإسلام باسم «حسن ناكاتا»، أعلن «مبايعة الخليفة البغدادي» كما ظهر في بعض أشرطة الفيديو على موقع يوتيوب. رغم هذا لم يتحرك الرأي العام الياباني ولا تسلطَ اهتمام اليابان لمتابعة قصص داعش وأحوال المنطقة. كذلك ظل الرأي العام بعيداً عن «الاهتمام الفعلي» بالحدث رغم أن الشرطة كشفت بعد اسبوع أن البروفسور ناكاتا كان على تواصل مع تسعة شبان من المستعربين الذين اعتنقوا الإسلام لدفعهم للسفر إلى سوريا والعراق للجهاد. وتحدثت الصحف عن أن مكتبة كتب قديمة في حي «كاندا» الشهير لبيع الكتب والوثائق، كانت تلعب دور علبة بريد بين الاستاذ الموجود في جوار داعش وبين الطلبة.
تغيرت الأمور بين ليلة وضحاها عندما ظهر فيديو الرهينتين باللباس البرتقالي (هارونا يوكاوا والصحفي كينجي غوتو)، وقد وقف رجلاً يحمل سكيناً ويرتدي ملابس سوداء بين رجلين جالسين أرضاً  موجهاً رسالته إلى اليابانيين «لديكم ٧٢ ساعة للضغط على حكومتكم لدفع ٢٠٠ مليون دولار وإنقاذ حياة مواطنيكما».
لم يطرح الإرهابيون هذا الملغ جزافاً بل ذكروا أن هذا المبلغ «يساوي قيمة المساعدات التي قدمتها اليابان لدعم دول التحالف الدولي التي تشن حملة» ضدهم في سوريا والعراق.
يمكن المراهنة على أن قسماً كبيراً من اليابانيين لم يكن يدرك أن حكومة «شينزو آبي» (الذي كان يزور المنطقة) قد تبرع بمثل هذا المبلغ. فالمواطن الياباني وطبيعة ممارسة المتابعة السياسية لأفعال حكوماته يظل بعيداً جداً عن كل ما يتعلق بالشؤؤن الخارجية إلا عندما يكون أمن اليابان وسلامة الشعب على المحك مثل خطر تووي كوريا الشمالية أو التطورات في الصين أو تواجد القوات الأميركية في الأرخبيل إلخ…، ولكن بخلاف ذلك فالياباني متقوقع على شؤونه الداخلية والاقتصادية والاجتماعية ورفاهية حياته اليومية.
وها هو الإرهاب الشرق الأوسطي يدفع باليابانيين دفعاً نحو النظر إلى ما تفعله حكومتهم في بلاد بعيدة عن اهتماماته اليومية. وها هو تنظيم داعش يتغلغل في تلابيب السياسة الداخلية لبلاد الشمس الساطعة.
جريمة قتل الرهينتين جعلت اليابان تنتقل إلى داخل حلقة بقية دول العالم وخصوصاً الدول الغربية التي يضعه ضمنها إرهابيو داعش. إذ أن انعكاسات هذه الجريمة جاءت على عدة مستويات: ١- الديبلوماسية ٢- العسكرية ٣- السياسة الداخلية، وأبرزت شقاً داخل شرائح المجتمع الياباني بكافة مكوناته.
١) على المستوى الديبلوماسي كان الربط بين الإفراج عن الصحفي الياباني مقابل الإفراج عن ساجدة الريشاوي السجينة بتهمة الإرهاب لدى الأردن فخ وقعت به الديبلوماسية اليابانية وبنت عليه آمالاً كبيرة. إلا أن المملكة الهاشمية كان لديها الطيار معاذ الكساسبة أسيرآً لدى داعش، وهي لم تستطع تقديم أي مساعدة في هذا المجال ما عدا التصريحات الشفهية للتنديد بعمليات خطف الرهائن.  وسلط هذا الأضواء على أن اليابان تقدم مساعدات مالية لدول لا تستطيع الاعتماد عليها في حال الضرورة فهي قدمت مساعادات مالياً للأردن كان أخرها لتحمّل وزر اللاجئين السوريين. وهنا كان المأزق الديبلوماسي والأدبي أيضاً. فقد اكتفت الديبلوماسية اليابانية بالطلب من الأردن «مساعدتها» دون توضيح كيفية المساعدة في حين أن عمان كانت قد أعلنت استعدادها لمبادلة الريشاوي مقابل الإفراج عن الكساسبة. لقد انتقدت الصحافة اليابانية كثيراً موقف ديبلوماسييها في هذا الشق. صحيفة «أساهي شينبون» أشارت إلى أن حكومة شينزوآبي اكتفت بـ « تسليم امرها الى الاردن».
وقد سارعت كافة الوسائل الإعلامية لإرسال مراسلين صحفيين إلى الأردن لتغطية ردات الفعل في الشارع ولدى الجمهور الأردني. وقبل الإعلان عن قتل الرهينة اليابانية الثانية والإعلان وإعدام الطيار الأردني، نقلت القنوات اليابانية صورة تضامن فعلي لدى الأوساط الشعبية الأردنية تجاه ما حصل للرهينة الياباني الأول، وتمنيات بالإفراج عن الصحفي كينجي غوتو. ولكن التقارير شددت على أن هذا التضامن كانت تشوبه مسحات من القلق ومن التردد بين انقاذ الطيار الأردني أو الصحفي الياباني. وبالمقابل فإن الريبورتاجات و«الميكروتروتوار» التي قامت وسائل الإعلام الياباني بها في اليابان نقلت صورة قلق من عدم استجابة السلطات الأردنية وصولاً للإفراج عن الصحفي رغم اعتراف العديدون بأن «على الأردن إنقاذ طياره».
كما أن العديد من المراقبين تسائلوا عن سبب عدم لجوء اليابان لتركيا التي سبق لها وأنقذت عددا من الرهائن من براثن الجماعات الإرهابية. وعدّ هؤلاء هذا نوعاً من التقصير الديبلوماسي ولم يتردد بعض المواطنين اليابانيين من التصريح بأن «ديبلوماسيتنا ضعيفة».
٢) فتحت مأساة الرهينتين ملف «الدور العسكري» الذي يمكن لليابان أن تلعبه في العالم. فمن المعروف أن المادة التاسعة من الدستور الياباني تحظر استخدام الوسائل العسكرية خارج الأراضي اليابانية. ومنذ وصول شينزو آبي إلى الحكم وهو يحاول «تليين» هذه المادة. صحف اليمين وفي مقدمتهم صحيفة «سانكي» طالبت الحكومة بـ«تحمل مسؤولياتها في مكافحة الإرهاب الى جانب الأسرة الدولية». «يومي أوري شينبون» ذهبت أبعد من ذلك فهي طالبت بضرورة العمل على إيجاد «قدرة على التدخل المسلح لاغاثة مواطنين يابانيين». ويظهر هنا خط يفصل بين توجهين لدى الأطياف السياسية اليابانية فصحيفة «أساهي شينبون» انتقدت بالمقابل تقديم مساعدات مالية للتحالف وهو ما جعل اليابان، حسب قولها، هدفاً للإرهابيين، وهي بذلك نقلت وجهة ما يمكن تسميته بالـ«يسار المعولم» الذي يتمسك بسياسة سلمية لليابان. أما «اليمين القومي» فيطالب بعدم الاكتفاء بالدعم المالي بل بالمشاركة بضربات التحالف والانضمام عسكريا لمحاربة داعش في سوريا والعراق. والمعروف أن اليمين القومي الياباني يطالب منذ سنوات بالتخلص من المادة التاسعة وصولاً لرفع القدرات العسكرية للتصدي لتطلعات الصين ذات القوة المتعاظمة والوقوف في وجه كوريا الشمالية.
ويبدو أن رئيس الحكومة شينزو آبي يسعى لتوازن بين الاتجاهين بحيث يحصل على تعديل بسيط للدستور يسمح لليابان بأن  بـ« تكون قادرة على شن عمليات لانقاذ مواطنيها باستخدام قواتها المسلحة»، حسب ما صرح به أمام لجنة برلمانية في الاسبوع الذي تلى هذه المأساة.
٣) أما على صعيد السياسة الداخلية يعترف المراقبون بأن رئيس الحكومة تجاوز قطوع هذه الأزمة بأقل الأضرار الممكنة، لا بل على العكس فإن تصرفه كان محل تقدير من مواطنيه. إذ أن شعبيته التي كانت في الحضيض رغم أنه كسب الانتخابات الأخيرة منذ أقل من ثلاثة أشهر، عادت لترتفع بعد هذه المأساة الوطنية وقد قدر الرأي العام الياباني، رغم الانتقادات، طريقة معالجة آبي للشق الإنساني من هذه المأساة، وهو استطاع أن يوقد الشعور الوطني المكتوم منذ نهاية الحرب الكبرى. وأفضل مثال على ذلك هو أنه استطاع بعد عشرة أيام من إعدام الرهينة الثاني تمرير قانون إصلاح القطاع  الزراعي الذي عجزت كل الحكومات المتعاقبة منذ خمسة عقود عن تمريره.
ولكن لا بد لهذه المأساة أن تترك أثراً في حياة اليابانيين وأن تشكل منعطفاً في تعامل اليابان مع الشوون الخارجية خصوصاً العربية والإسلامية.

ملحق:
من هو ناكاتا كو؟
درس ناكاتا كو اللغة العربية وتخصص في الفقه الإسلامي. تدرج بعد ذلك في وزارة الخارجية قبل أن ينتقل ليعمل في السفارة اليابانية في الرياض سنة ١٩٩٦ لمدة ثلاث سنوات ، ثم عاد ليتبوء منصب استاذ مساعد في جامعة «ياماغوتشي»، ثم انتقل إلى جامعة «دوشيشا» في كلية الدراسات الدينية ليستلم منصب استاذ (بروفسور). ولكن بعد عشر سنوات وبالتحديد عام ٢٠١١ استقال فجأة من هذا المنصب المرموق و… اختفى.
عاد للظهور وقدم نفسه على أنه «داعية للإسلام». وقبل اختفاءه مرة ثانية شارك في ندوة في العاصمة الأندونيسية جاكرتا كان عنوانها … «نظام الخلافة» إلى جانب العديد من الشخصيات العربية  وخصوصاً السورية بين المشاركين.
ظهر على شريط فيديو في نهاية شهر يوليو/تموز من السنة الماضية وبايع خلافة البغدادي وهو يحمل كلاشينكوف وقد نشرت خلفة راية داعش السوداء، وقال إنه يعيش في «آلدولة الإسلامية».
وبات ملاحقاً من قبل الشرطة اليابانية بموجوب قوانين محاربة الإرهاب. إلا أنه عاد في مطلع السنة هذه إلى اليابان وسلم نفسه للشرطة، فترك بسند إقامة رهن التحقيق بعد سحب جواز سفره.
ولكن ما أن أعلن عن خطف الرهينتين اليابانيين دعى إلى مؤتمر صحفي وجلس إلى جانب محاميه ليعلن أمام الصحفيين استعداده للعودة إى العراق وسوريا للتوسط لإحراة الرهائن اليابانيين. وقد رفضت السلطات وساطته واعتبرها البعض «حيلة» للخروج من البلاد.
ألّف ماكاتا كو العديد من الكتب وأشهرها كتاب حمل عنوان «منطق بن لادن»، وكتاب آخر  عنوانه «منطق الإسلام» وهو من الكتب الأكثر مبيعاً في الأيام الأخيرة. وله كتاب «تفسير معاني القرآن».

وقد كتب الديبلوماسي السابق «أماغي ناوأوتو» في مدنوته ينتقد خمول تصرف السلطات اليابانية إزاء ظهور «الاستاذ ناكاتا كو» في مؤتمر صحفي  بعد عودته من دار «الدولة الإسلامية» والذي عرض خلاله «الوساطة» مع داعش للإفراج عن الصحفي غوتو. ولكنه انتقد أيضا عدم قدرة السلطات على الدخول على خطوط الجماعات الإهابية في الخارج ولكن أيضاً في الداخل بعد أن تبين وجود شبكات تجند المقاتلين للقتال في سوريا والعراق.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.