الفراغ يسمح بوجود… كل شيء

إيسه

أشجار عمرها مئات السنين يلتف حولها الزوار
منذ أن بدأت دراسة اللغة والحضارة اليابانية وفي أفق مفكرتي شبه جزيرة “إيسه” 伊勢، والسبب أنها تحوي حسب اعتقاد اليابانيين أكثر المعابد قداسة بالنسبة لمعتقد الـ«شينتو» 神道؛ أقول معتقد ولا أقول ديانة لأن الشينتو يمثل نمط حياة ومعتقدات متداخلة تعود إلى آلاف السنين ولا يعد منافساً للبوذية اليابانية. يمكن القول إن جميع اليابانيين هم “شينتو” وبعضهم يتبع الديانة البوذية (الأكثرية) ومنهم بروتستانت أو كاثوليك أو إنجيليون، في حين لا يوجد أكثر من عشرة آلاف مسلم في اليابان. بيد أني أشدد على أن جميع اليابانيين أياً تكن ديانتهم يتبعون نمط حياة “الشينتو”، وهو نمط ترك آثاره على طريقة تفكير هذا الشعب وممارساته في الحياة اليومية (التَطَهُر بالماء … الحمام الياباني هو أبرز هذه الممارسات اليومية؛ في هذا “الحرم المقدس” يوجد حرمان «الحرم الداخلي» (ناي كو) 内向 و«الحرم الخارجي» (غِايكو) 外向  وكلاهما من خشب الأرز. يسمى الحرم في الشينتو «بيت الآلهة»، وهو فارغ تماماً من أي أثاث… فارغ ولكنه مليء بـ… الآلهة، فالفراغ بالنسبة لـ “الشينتو” هو الذي يسمح بوجود… كل شيء. وتبلغ مساحة “الحرم المقدس” ٥٤٠٠ هكتار تملأه غابات الأرز بأشجار تعود أعمارها إلى مئات السنين.

القديم (على اليسار) والجديد (على اليمين) يشهدا على مرور الزمن

وقد بني الحرمان في داخله في العام ٦٩٠ ميلادي والفرادة أنه يتم كل عشرين سنة بناء حرم جديد إلى

التطهر بالماء
جانب الحرم القديم وخلال العشرين سنة التالية يمكن مشاهدة الحرم القديم وهو يتهاوى مع مرور الزمن والبناء يكون بسيطاً جداً. وبالنسبة لليابانيين فإن البناء الجديد إلى جانب القديم هو إشارة إلى أن الحياة «عابرة» وأن الخلود غير موجود على الأرض. وهكذا يمكن مشاهدة القديم يتهاوى إلى جانب الجديد
البراق. ويعبّر هذا عن أساس معتقد الـ “شينتو” بالتطهر عبر التجديد. ومن نتائج هذا السلوك هو أن المعرفة وأسرار بناء الحرم يتم تداولها من جيل إلى آخر لذا فإن البناء اليوم له نفس مقومات وهيكلية البناء الأول. بالطبع لا يدخل إلى الحرمين إلا الامبرطور وكبار رجال سلك الـ “شينتو”. وترأس الحرم المقدس أميرة من العائلة الأمبرطورية وهذه الفترة الأميرة هي شقيقة الامبرطور «أقيهيتو». ويحوي الحرم الداخلي ثلاثة رموز العائلة الحاكمة منذ ٢٤٦٣ سنة وهي: مرآة وحجر ثمين وسيف. وهو يجسد آلهة الشمس «أماتِراسُو»، والمِرآة هي للإشارة إلى كيف «أخرجتها الآله من الكهف الذي اختبأت داخله» وقد أعطت بعد ذلك؛ المِرآة لأولادها الذين نزلوا للحكم على الأرض. ويعتبر اليابانيون أن أول امبرطور «جينمُو» هو من سلالة «إزاناغي الذي تزوج شقيقته إيزانامي. ورغم فصل الدين عن شؤون الدولة بعد الحرب العالمية الثانية إلا أن الامبرطور ما زال حتى اليوم يزرع كل سنة في قصره الأرز ويرسله مباشرة إلى الحرم المقدس تقدمة لـ “أماتِراسُو”.

جمال الفراغ الذي يزين الطبيعة
في مدخل “الحرم المقدس” بحيرة صغيرة فيها «جزيرة مربعة بيضاء» مصنوعة من الخشب لا يوجد فيها أي شيء وهي فقط للتأمل. وفي الواقع أن تجلس أمامها وتتأمل الفراغ فإن أشياءً كثيرة تتوضح لك وتلمس تفاهة السعي وراء البراق اللماع الذي لا يدوم مثلما يدوم الفراغ. سيدة عجوز جلست وحيدة تنظر إلى هذه البحيرة. جلست إلى جانبها وكنت متأثراً بهدا الفراغ الذي يملأه جمال الطبيعة الخلابة. التفت اليها فإذا هي غير متأثرة ولكنها تنظر بصفاء إلى أمامها وكأنها في عالم آخر بعيد. لقد «سرقت صورتها» من دون أن أثير انتبهاها حتى لا أعيدها إلى الواقع المحيط بها. على بعد سبعة كيلومترات من “الحرم المقدس” توجد صخرتان في البحر ترمز الكبرى إلى الذكر “إيزاناغي” والصغرى إلى الأنثى “إيزانامي” ويتم «ربطهما بواسطة حبل من أعشاب الرز طوله ٣٠ متراً يتم تغييره كل خمس سنوات بحضور كبار سلك الـ “شينتو”. يتجمع اليابانيون على الشط حيث تتلام الأمواج ليتأملوا «الإشارة التي تركتها الآلهة» في البحر لتذكيرهم بضرورة المحافظة على عاداتهم.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.